
ليس كل تدشينٍ حكومي يستحق الاحتفاء، لكن بعض المبادرات تستحق أن تتحول إلى مشروع دولة، لا إلى مناسبة بروتوكولية تنتهي بانفضاض القاعة وإطفاء الكاميرات. ومنصة “الصحة الواحدة السودانية”، التي أطلقتها وزارة الصحة الاتحادية بقيادة البروفيسور هيثم محمد إبراهيم، بالشراكة مع مؤسسات الدولة والمنظمات الدولية، يجب أن تُقرأ من هذا المنظور؛ فهي ليست مشروعاً صحياً فحسب، بل إحدى الركائز الاستراتيجية للأمن القومي السوداني.
فالعالم اليوم لم يعد ينظر إلى الصحة باعتبارها شأناً علاجياً، وإنما باعتبارها خط الدفاع الأول عن استقرار الدول واقتصاداتها وأمنها الغذائي. والأوبئة العابرة للحدود أثبتت أن أي خلل في التنسيق بين قطاعات الصحة والثروة الحيوانية والزراعة والبيئة قد يتحول في أيام قليلة إلى أزمة وطنية تتجاوز حدود المستشفيات لتصيب الإنتاج والصادرات والاستثمار والأمن المجتمعي.
ومن هنا، فإن أهمية هذه المنصة تكمن في أنها تؤسس لتفكير مؤسسي خارج الصندوق، يقوم على تبادل البيانات وتحليلها وصناعة القرار الاستباقي، لا انتظار وقوع الكارثة ثم البحث عن حلول متأخرة. فالسودان يواجه تحديات صحية وبيئية معقدة، كما أن الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، التي يناهز عددها ثمانية أمراض رئيسة، تستوجب نظاماً وطنياً متكاملاً للإنذار المبكر، يربط جميع الشركاء في منظومة واحدة قادرة على التدخل قبل انتشار الخطر.
ولهذا، ينبغي أن تُدرج منصة “الصحة الواحدة” ضمن المؤسسات ذات البعد الاستراتيجي المرتبط بالأمن القومي، وأن تُعامل باعتبارها مركزاً وطنياً لإدارة المعلومات الصحية والبيئية، لا مشروعاً موسمياً أو نشاطاً إدارياً عابراً. فما تملكه من قواعد بيانات ومؤشرات وتحليلات يمثل ثروة وطنية يجب صيانتها وتطويرها باستمرار.
كما أن نجاح المنصة لن يتحقق إلا بتوفير أعلى درجات التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتخصيص الموارد الكافية لها، وإنشاء فروع وشبكات عمل في كل الولايات والمحليات والقرى، حتى تصبح منظومة وطنية متصلة ترصد المخاطر من مواقعها الأولى، وتختصر زمن الاستجابة، وتحمي الأرواح قبل أن تتفاقم الأزمات.
ولا يقل الدور الإعلامي أهمية عن الجوانب الفنية؛ فالإعلام شريك أصيل في هذه المنظومة، وهو الجسر الذي ينقل المعرفة إلى المجتمع، ويواجه الشائعات، ويعزز ثقافة الوقاية، ويحول المواطن إلى عنصر فاعل في منظومة الأمن الصحي. لذلك فإن المنصة الإعلامية المصاحبة يجب أن تكون ذراعاً استراتيجية دائمة، لا حملة مؤقتة تنتهي بانتهاء المناسبة.
إن المطلوب اليوم ألا تتحول منصة “الصحة الواحدة” إلى مجرد “طق حنك” أو جلسات ونقاشات بين موظفي الحكومة، بل إلى مشروع وطني يخضع للمتابعة والتقييم والتطوير المستمر، ويُسخَّر له كل ما تملكه الدولة من إمكانات بشرية وتقنية وتشريعية.
فحين تمتلك الدولة معلومات دقيقة، وتنسق مؤسساتها بكفاءة، وتتحرك قبل وقوع الخطر، فإنها لا تحمي صحة مواطنيها فحسب، بل تحمي اقتصادها، وتعزز ثقة العالم في صادراتها، وترسخ مكانة السودان شريكاً مسؤولاً في منظومة الأمن الصحي الإقليمي والدولي. تلك هي الرسالة الحقيقية لـ”الصحة الواحدة”… مشروع للمستقبل، لا مناسبة للاحتفال.