
لا يحتاج المرء إلى إحصاءات معقدة ليدرك حجم الكارثة، فحين تتورط قوات مسلحة في تهريب البضائع وتتسبب في سقوط عناصر من المخابرات وإصابة ثلاثة عشر من رجال الأمن في عملية واحدة، فذلك يعني أن المسألة تجاوزت حدود الجريمة الاقتصادية إلى ما يشبه الانهيار المنظومي للدولة. ما يجري على معابر السودان وطرقه الصحراوية ليس نشاطاً هامشياً يمارسه أفراد في هامش المجتمع، بل هو اقتصاد موازٍ راسخ الجذور، يغذيه ضعف الجهاز الرقابي، ويحميه الفساد، ويزدهر في ظل الحرب.
أسباب التهريب في السودان متشعبة ومتداخلة، لكن جوهرها يعود إلى ثلاثة محاور رئيسية لا يمكن تجاهلها. أولها الفجوة السعرية الهائلة بين السوق المحلية وأسواق الدول المجاورة، إذ يجعل انهيار الجنيه السوداني وتعدد أسعار الصرف البضائع المدعومة فريسة سهلة للتهريب إلى خارج الحدود، كما تجعل البضائع الأجنبية الرخيصة تتدفق بلا جمارك وبلا رقابة. وثانيها الفراغ الأمني الذي أفرزته الحرب، فقد تحولت معابر كثيرة إلى مناطق رمادية لا يخضع فيها أحد لسلطة واضحة. وثالثها غياب الحوافز الاقتصادية للمواطن العادي، فحين يعجز المنتج أو التاجر الصغير عن تحقيق هامش ربح مشروع بسبب الضرائب والرسوم والبيروقراطية، يصبح التهريب خياراً عقلانياً من منظوره الشخصي، وهذا هو الخطر الأعمق.
النتائج الاقتصادية لهذه الظاهرة تضرب الدولة في مقاتل متعددة في آنٍ واحد. تُهدر إيرادات الجمارك والضرائب التي كانت يمكن أن تموّل الخدمات الأساسية، ويُدمَّر الإنتاج المحلي لأن البضاعة المهربة لا تحمل أعباء الإنتاج القانوني، فتنافسه بأسعار لا يستطيع مجاراتها. ويتمدد الاقتصاد غير الرسمي على حساب الاقتصاد المنظم، مما يُضعف قدرة الدولة على قياس حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي أو التخطيط له. وفوق ذلك كله، يُعرّض التهريب سلامة المستهلك للخطر حين تدخل سلع فاسدة أو مغشوشة أو محظورة دون أي رقابة صحية أو نوعية.
أما جهود الحكومة في مواجهة هذا الملف، فقد تعددت الإجراءات الشكلية دون أن تُحقق أثراً تراكمياً يُذكر. صدرت قرارات بمنع تصدير سلع مدعومة، وشُكّلت لجان أمنية، وأُعلن عن حملات في معابر بعينها، غير أن غياب التنسيق بين الجهات المعنية ظل العقبة الأكبر، ناهيك عن أن جزءاً من جهاز التنفيذ ذاته كان طرفاً في المشكلة لا حلاً لها. لا يمكن لدولة أن تحارب التهريب بأدوات من داخل منظومة فاسدة، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من تنظيف الجهاز قبل تفعيله.
المعالجة الشاملة لهذه الأزمة تستلزم منهجاً مختلفاً جذرياً. على الصعيد القانوني، تحتاج البلاد إلى قواعد اشتباك صريحة لا تقبل التأويل في كل ما يتعلق بالمركبات التي ترفض الخضوع للتفتيش، مع محاكمات عسكرية علنية وسريعة للمقبوض عليهم بما يُرسي الردع. وعلى الصعيد الهيكلي، لا بد من ربط قوات الدعم بإذن تحرك رسمي موثق يحدد مساراتها وحمولاتها، مع رفع الحصانة عن كل من يُوظّف الكاكي لتسهيل التهريب. وعلى الصعيد الاقتصادي، يظل تضييق الفجوة السعرية بين السوق الرسمية والسوداء أجدى على المدى البعيد من أي مطاردات في الصحراء، لأن التهريب في نهاية المطاف ظاهرة اقتصادية تُعالَج بأدوات اقتصادية في المقام الأول.
في المحصلة، لن يتوقف نزيف التهريب بمطاردات تفقد فيها الدولة رجالها دون أن تكسب معركتها. الحل الحقيقي يكمن في بناء دولة تجعل الالتزام بالقانون أقل كلفة من خرقه، دولة تحمي المنافسة الشريفة وتُجفف منابع الفساد الذي يصنع من التهريب مهنة ذات عائد مضمون. وحتى تبلغ البلاد ذلك المآل، فإن كل عملية أمنية معزولة لن تكون أكثر من رقعة على ثوب ممزق.