رخصة على عجل.. وإلغاء على عجل: درس العسجد في هشاشة القرار المصرفي
وليد دليل خبير مصرفي

في مدينة بورتسودان، وتحت أضواء الكاميرات وحفاوة الحضور الرسمي، وُلد قرار منح شركة “العسجد للحلول الرقمية والذكية” رخصة تشغيل محوّل المعاملات المالية الأولى من نوعها في السودان. وبالسرعة ذاتها التي وُلد بها القرار، انطفأت شعلته: أعلن بنك السودان المركزي إلغاء الرخصة، تاركاً خلفه سيلاً من الأسئلة التي لا تخص شركة بعينها، بقدر ما تخص طريقة صناعة القرار المصرفي في دولة تُدار مؤسساتها وسط حرب، وغياب رقابة، وتزاحم على تمثيل “السيادة” في كل مناسبة تقنية أو اقتصادية.
القصة، في ظاهرها، بسيطة. شركة تأسست في أواخر عام 2025 تقدمت بطلب للحصول على ترخيص تشغيل محوّل مالي، حصلت على موافقة مبدئية ثم على الترخيص النهائي، وأقيم لها حفل تدشين حضره ممثل عن مجلس السيادة وقائد القوات البحرية وحشد من المصرفيين ورجال المال. غير أن الباطن مختلف تماماً؛ فالمحوّل المالي ليس منتجاً استهلاكياً عابراً يمكن التساهل في منحه، بل هو عصب حساس تمرّ عبره تفاصيل تحويلات المواطنين وأرصدتهم وسلوكهم المالي بالكامل. حين يمنح البنك المركزي هذا النوع من التراخيص، فهو في الحقيقة يمنح الثقة ذاتها التي بُني عليها الجهاز المصرفي، لا مجرد وثيقة إدارية.
المفارقة الأولى التي تستحق التوقف عندها هي غياب أي إفصاح واضح، وقت منح الرخصة، عن الحد الأدنى من الضمانات التقنية التي يفترض أن تخضع لها بنية مالية بهذا الحجم: اختبارات اختراق مستقلة، مركز عمليات أمنية، أنظمة إدارة مفاتيح تشفير، معمارية “الثقة الصفرية” بدل الثقة الافتراضية بين مكونات النظام، وخطط تعافٍ من الكوارث. هذه ليست تفاصيل فنية هامشية يمكن إرجاؤها إلى ما بعد التدشين، بل هي بالضبط الأساس الذي يُبنى عليه القرار قبل أن يُعلن، لا بعده. وحين يغيب الإفصاح عن هذا الأساس وقت الاحتفال، ثم يأتي الإلغاء لاحقاً دون تفسير قانوني أو فني مفصّل، فإن السؤال المشروع هو: هل جرت هذه المراجعات فعلاً قبل المنح، أم أن الحماس للإعلان عن “طفرة رقمية” سبق التحقق من الجاهزية؟
القانون هنا لا يترك مجالاً للاجتهاد. فقانون تنظيم العمل المصرفي يمنح المحافظ صلاحية إلغاء أي ترخيص إذا خالفت الجهة المرخص لها أحكام القانون أو الشروط الواردة في الرخصة ذاتها، وهذا يعني أن الإلغاء، إن صحّ استناده إلى هذه المادة، هو اعتراف ضمني بأن الترخيص الأول لم يكن محصّناً بالقدر الكافي، أو أن الشركة لم تفِ بالتزامات كانت شرطاً لبقاء الرخصة قائمة. وأياً كان التفسير، فإن العبء يقع على الجهة المانحة قبل أن يقع على الجهة الممنوحة؛ فالشركة، مهما بلغت جرأة بياناتها التوضيحية، لا تملك سلطة الترخيص ولا سلطة التنظيم، وإنما هي المستفيد من قرار اتخذته جهة أخرى تحمل قانوناً مسؤولية الإشراف والمتابعة.
يتصل بهذا سؤال الحوكمة وملاءة طالب الترخيص، وهو معيار لا يقل أهمية عن الكفاءة الفنية والقدرة التشغيلية. فحين تتعدد التساؤلات حول الهيكل الفعلي لملكية شركة ناشئة، وحول الجهة التي مولت انطلاقتها السريعة نحو توقيع شراكات مع عدد من المصارف الوطنية في فترة قياسية، فإن ذلك يفرض على الجهة المرخِّصة عبئاً إضافياً من التدقيق قبل المنح لا بعده. وحين تتردد أسماء وارتباطات خارج الحدود دون أن يقابلها إيضاح رسمي شافٍ من الشركة أو من البنك المركزي، فإن الشكوك لا تنشأ من فراغ، بل من هذا الصمت بالذات، ومن غياب نص قانوني منشور يوضح معايير المفاضلة بين طالبي التراخيص المتعددين الذين كانوا يتنافسون على الموقع نفسه.
الأمر لا يقف عند حدود شركة واحدة أو قرار بعينه، بل يفتح الباب على سؤال أعمق يخص آلية صناعة القرار داخل جهاز الدولة في زمن الحرب. فحين يحضر عضو مجلس السيادة حفل التدشين ليمنحه موافقة ضمنية، ويشارك قائد القوات البحرية بوصف الحدث بأنه “بنية تحتية سيادية”، وهو وصف لا يصدر عن جهة اختصاص بقدر ما يصدر عن انسياق للغة المناسبات، فإن السؤال المشروع هو: أين نوقش هذا القرار قبل أن يخرج إلى العلن بهذه الصورة الاحتفالية؟ من راجعه في مجلس السيادة قبل أن يوافق عليه ضمناً؟ وهل كان رئيس مجلس السيادة على علم مسبق بتفاصيله؟ وهل اطّلع عليه رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية بوصفهما الجهتين المعنيتين بالسياسة الاقتصادية العامة؟ غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يكشف عن فجوة خطيرة بين حجم القرار وحجم التدقيق الذي رافقه، وهي فجوة تتسع كلما غاب البرلمان بوصفه السلطة الرقابية الطبيعية التي كان من المفترض أن تحاسب قبل أن تصل الأمور إلى حد الإلغاء بعد التدشين.
وهنا يبرز أيضاً موقع الأمن الاقتصادي الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول ضد أي اختراق محتمل لمنظومة المدفوعات الوطنية. فإذا كانت الجهات الأمنية المعنية بحماية الاقتصاد الوطني حاضرة في المشهد الاحتفالي، فإن الأولى أن تكون قد أدت دورها في التدقيق المسبق، لا أن تكتفي بمباركة الحدث شكلياً بعد وقوعه. وإذا لم تكن قد فعلت، فإن ذلك يفتح ملفاً أوسع من ملف شركة واحدة، وهو ملف مدى جاهزية منظومة الرقابة على البنية التحتية المالية في ظل ظروف استثنائية يشتد فيها الحديث عن الحرب الاقتصادية والاختراقات السيبرانية الموجهة.
أن ما جرى مع “العسجد” ليس حادثة عابرة يمكن طيها بمجرد صدور قرار الإلغاء، بل مؤشر على حاجة بنك السودان المركزي إلى تشديد أدلة وإجراءات الترخيص قبل المنح، ونشر معايير واضحة ومعلنة تحكم عملية المفاضلة بين المتقدمين، بدل الاكتفاء ببيانات طمأنة عامة بعد فوات الأوان. والدرس الأعمق أن تعدد المحولات الخاصة، مهما بدا مؤشراً على الانفتاح والتنافسية، يحمل في طياته مخاطر تراكمية على المحوّل القومي الذي تديره شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، ما يستدعي مساراً مغايراً: تقوية هذا المحوّل القومي ومنحه مزيداً من الإمكانات أولاً، والمضي تدريجياً نحو توحيد منظومة الدفع الإلكتروني تحت مظلة موحدة يصدرها البنك المركزي نفسه، على أن يُفتح الباب أمام القطاع الخاص تدريجياً حين تتوافر الضمانات القانونية والفنية والرقابية الكافية، لا حين تسمح الفرصة السياسية بحفل بهيج في مدينة ساحلية.